مكونات الحكي
في الرواية والقصة والمسرح
مكونات الحكي
الرواية، القصة، المسرحية
تقديم
تنتظم دلالاتُ نصٍّ ما حول اختيار مبدئي، واعٍ أو غير واعٍ، ولا توجد تلك الدلالات إلا عبر الهدف المحدَّد لإنتاجه وتواصله. ولا يمكن أن يقع هذا الاختيار إلا انطلاقًا من ثلاثة أنواع من الأنشطة، التي تنتمي إلى الأنشطة الأساس للعقل الإنساني:
- أنْ نحكيَ (إخبار، تمثيل...)
- أن نخطب (الخطابة)؛ (الحجاج، المناقشة، المناظرة...)
- أن نقولَ (dire): (عندما لا يتعلَّق الأمر بأن نحكي، أو نخطب، بقدر ما يتعلق بأن نحاول إبداعَ شكل من أشكال الانفعال والتعبير المخصوص...).
إذن، لا يمكن لكلِّ نصٍّ إلا أن يندرج ضمن مجال دلالي من بين هذه المجالات الثلاث: - حكي - خطابة - شعر.
مع ملاحظة أن النص نادرًا ما يقتصر على مجال واحد فحسب، وإنما تتداخل تلك المجالات داخل النص الواحد، غير أنَّ ما يحدد انتماء النص إلى هذا النوع أو ذاك إنما هو المجال المهيمن في النص.
ومن ثمَّ نجد أنَّ:
- الحكيَ يرتكزُ أكثر على سلسلة من الأحداث المتتالية في النص، ويجري التصرُّفُ في ترتيبها الكرونولوجي.
- الخطابة تعتمد في الغالب علاقاتٍ منطقيّةً.
- الشعر يوظِّفُ الدَّوالَ والإيحاءات لإنتاج صور لذوات وانفعالات وتأملات...
أولاً: تعريف الحكي
1- تُستعمَلُ، في لغة التداول العادية، كلماتُ: سرد، حكي، قصّ بالمعنى نفسه؛ أي الإخبار عن مجموعة من الأحداث المتتالية. غير أنَّ الاستعمال الدقيق في مجال النقد يوجب التمييز بين تلك المصطلحان:
⎫ - الحكاية histoire:
تتشكَّلُ الحكايةُ ممّا يُحكى؛ أي سلسلة الأحداث التي تكوِّنُ مادة الحكي، والظروف التي وقعت فيها تلك الأحداث، والشخصيات التي قامت بتك الأحداث.
⎫ - السرد narration:
الطريقة التي تُحكى بها الأحداث؛ أي صيغة تنظيمها من حيث الترتيب الزمني، والمدة، ووجهات النظر، والسارد الخ.
⎫ - الحكي récit:
هو المجموع المتشكِّل من الحكاية والسرد؛ الحكاية+السرد= الحكي.
2- يجري الحكيُّ بطريقتين:
• إما أن يتّخذ شكلاً سرديًّا (رواية، قصة، ملحمة، مقامة...)
• أو أن يتّخذ شكلَ المحاكاة القائمة على العرض (المسرح، السينما..)
ثانياً: مكوِّنات السرد
وجهات النظر السردي - I
تُدرَسُ في إطار "الصيغة" "Mode" أي كيفية الحكي.
وجهة النظر السردية هو المنظور الذي تُحكى بوساطته أحداثُ حكيٍ ما. أي الوضعية التي يوجد فيها السارد بالنسبة إلى ما يحكيه. فهذه الوضعية تحدِّدُ درجة معرفة السارد بالحكاية، ومن ثَمَّ ما تُحدِّدُ ما يمكن أن يعرفه القارئ.
توجد ثلاثة أنواع من وجهات النظر رئيسة، وتُسمّى أيضًا منظورات، أو تبئيرات.
1- تقنيات وجهات النظر السردية
الرؤية من الخارج-
يقدِّمُ الحكايةَ شاهدٌ على الأحداث. والمعلومات الوحيدة التي يقدِّمها هي ما لاحظه من أفعال، ووصف الأمكنة، ونقل الكلام الذي سمعه، ووصف الشخصيات من حيث مظهرها الخارجي فحسب. إذن، في إطار هذه الرؤية، نجهل كلَّ شيء عن أحاسيس الشخصيات وأفكارها، ولا نعرف ما حدث في الماضي، ولا ما سيحدث في المستقبل. ويلجأ الكاتب، في الغالب، إلى هذه التقنية في بداية الرواية أو القصة لإضفاء نوع من الإلغاز والغموض على الحدث لإثارة التشويق لدى القارئ.
⎫ الرؤية من الداخل (الرؤية معَ)-
هي الرؤية التي يقدِّمُ بها الأحداثَ شخصيةٌ مشاركةٌ في الحدث (مثلاً: عندما يكون السرد بضمير المتكلِّم) أو عندما يكون السردُ بضمير الغائب غير أنَّ السارد يتبنّى منظورَ إحدى الشخصيات، ويلتزمُ بما تُدركُهُ تلك الشخصية وما تفكِّرُ فيه، وما تشعر به، انطلاقًا من موقعها الاجتماعي والثقافي وعلاقتها بالأحداث والشخصيات الأخرى.
⎫ الرؤية من فوق (الرؤية من الخلف)-
هي وجهة نظر ساردٍ يعرف كلَّ شيء، عن جميع الأحداث، وجميع الشخصيات؛ يعرف حاضرَها وماضيها ومستقبلها، وأفكارَها، وهواجسَها، وعواطفَها. وظِّفت هذه الرؤية بشكل كبير في السرد التاريخي والواقعي لأنها تساعد على الإيهام بواقعية الأحداث والشخصيات.
ملاحظة مهمة: يجب التمييز بين دراسة مقطع سردي، وبين دراسة عمل أو مؤلَّف كامل. يمكن أن يكون العمل ككل يوظف الرؤية من فوق، أي السارد العليم بكل شيء، غير أنَّ السارد يلجأ في مقاطع معيَّنة إلى تقنية الرؤية من الخارج أو الرؤية من الداخل (الرؤية مع) لأجل خلق تشويق أو انطباع محدد.
أنواع السارد - II
تُدرَسُ أنواع السارد في إطار مبحث "الصوت" "Voix"؛ أي من يتحدث في النص؟ من ذا الذي يسردُ ونسمعُ صوته يحكي في النص؟
يجب التمييز بين الكاتب أو المؤلف (أي الشخص التاريخي الذي أنتج النص) وبين السارد أو الراوي الذي يتكفَّلُ في الحكي بسرد الأحداث؛ فالسارد ينتمي إلى النص، أي إنه كائن ورقيٌّ فحسب، ولا وجود له خارج النص. إنه تقنية سردية.
نميِّزُ بين نوعين من السارد:
⎫ - السارد المتواري (غير الظاهر) Le narrateur effacé
يبدو كأن لا أحد يحكي الأحداث، ويتخذ الحكيُ شكلاً موضوعيًّا، لكن لابد من وجود منظِّمٍ خفيٍّ، متوارٍ، غير ظاهر، يُنظِّمُ الأحداثَ، ويختارُ لها تنظيمًا معيَّنًا، ويختار طريقة عرضها. وفي بعض الأحيان قد تكشف وجودَهُ إشاراتٌ عابرة لتفاصيل دقيقة؛ كأنْ يُصدِرَ الساردُ حكمًا على شخصية (قد يكون مجرد وصف أو نعت أخلاقي)، أو إصدار تأمل عامٍ خارجٍ عن نسيج السرد الخ.
⎫ - السارد الشخصية (السارد المشارك في الأحداث)
نجد الساردَ في بعض الروايات أو القصص يحكي بضمير المتكلِّم حكايةً يشاركُ في أحداثها؛ مثلما هو الحال في السيرة الذاتية أو الحكي بواسطة الرسائل، أو في الروايات والقصص التي تتبنّى ضمير المتكلِّم في الحكي وتضطلع به شخصية من الشخصيات. وهكذا يمكننا أن نجد مجموعةً من الرواة يتناوبون على الحكي في الرواية نفسها.
الحدث - III
- تعريف الحدث:
يتشكَّلُ الحدث من مجموع الوقائع المروية في حكيٍ ما.
ويشملُ الحدثُ العناصرَ الآتية:
⎫ - الأفعال: أفعال مختلف المشاركين في الحدث.
⎫ - الحالات: مختلف الحالات التي تعتري أولئك المشاركين. الحالات ذات طابع فرديٍّ.
⎫ - الوضعيات: وهي الوضعيات التي يوجد فيها المشاركون في الحدث، وتتعلق بالعلاقات فيما بينهم.
⎫ - الوقائع: سواء كانت طبيعية أو اجتماعية، وهي التي تحدث في استقلال عن إرادة المشاركين في الحدث. (وقائع طبيعية مثل فيضانات أو جفاف، أو شتاء أو ربيع الخ. ووقائع اجتماعية مثل أعياد أو حفلات، أو ثورة، إضراب الخ.)
ينبني الحدثُ في الحكي وفق علاقات هذه العناصر الأربعة وتحوُّلاتها، حيث تقومُ الأفعالُ والوقائعُ بإحداث تغييرات في الحالات والوضعيات.
- مثال تطبيقي:
نقدِّمُ فيما يلي مثالاً تطبيقيًّا لدراسة الحدث، بشكل مختزل، في حكاية سندريلا:
- طفولة سندريلا السعيدة قبل أن يتزوج أبوها من امرأة أخرى بعد وفاة أمها
وضعية رقم 1. فالوضعية هنا ناتجة عن العلاقة بين الطفلة وأبيها.
- سعادة سندريلا الطفلة . حالة رقم 1.
- المعاملة السيئة التي تتلقّاها من زوجة أبيها بعد وفاة هذا الأخير وضعية رقم2.
- حزن سندريلا الشديد حالة 2. وهي حالة ناتجة عن تغيُّر الوضعية في علاقة سندريلا بموت أبيها وقسوة زوجة أبيها.
- الحفل الذي يقيمه الأمير لاختيار زوجة له واقعة رقم 1. واقعة اجتماعية لأن الحفل ذو اجتماعي عام مثل الأعياد وغيرها.
- تدخُّل الجنية التي تُحوِّلُ سندريلا إلى أميرة جميلة فعل رقم 1.
- الإعجاب الذي تناله سندريلا في الحفل وضعية رقم 3. أي إنَّ فعل الجنية يؤدي إلى نشوء وضعية جديدة؛ انتقال سندريلا من المعاملة القاسية والإهمال إلى وضعية الإعجاب والتقدير من لدن جميع الحاضرين في الحفل بمن فيهم الأمير نفسه.
- سعادة سندريلا إبان الحفل حالة رقم 3. وهي حالة ناتجة عن تغيُّر وضعيتها، ولو مؤقَّتًا، بفضل تغيُّر الوضعية في الحفل.
- عودة سندريلا في منتصف الليل إلى ما كانت عليه من قبل تدخُّل الجنية وضعية رقم 4.
- قرار الأمير البحث عن صاحبة الحذاء الضائع فعل رقم 3.
- اكتشافه سندريلا بفضل الحذاء فعل رقم 3.
- الزواج السعيد بين الأمير وسندريلا وضعية رقم 5.
- سعادة سندريلا حالة رقم 4.
ملاحظة: تأتلفُ هذه العناصر بطرق مختلفة وفق طبيعة السرد: في روايات المغامرات يجري التركيزُ أكثر على الأفعال والوقائع، بينما تركِّزُ الروايات والقصص النفسية على الحالات والوضعيات.
- رهان الحدث والحبكة
تهدف أفعالُ المشاركين في الحدث، عبر الانتقال من وضعية بدئية إلى وضعية نهائية، إلى تحقيق غاية ما؛ تسمَّى تلك الغاية رهان الحدث. فعلى سبيل المثال، يتبيَّنُ من رواية "اللص والكلاب" أنَّ رهان الحدث هو ما يسعى إليه سعيد مهران من انتقام من الخونة الذين تسببوا في دخوله إلى السجن.
فالرهان هو محرِّكُ الأحداث، ويمكنُ أن يعلَنَ عنه منذ العنوان، مثال ذلك عنوان رواية جبرا إبراهيم جبرا "البحث عن وليد مسعود"، أو عنوان رواية غسّان كنفاني "عائدٌ إلى حيفا"؛ من الواضح أنَّ رهان الحدث في الرواية الأولى سيكون العثور على وليد مسعود المختفي، وفي الرواية الثانية سيكون الرهانُ هو العودةُ إلى حيفا التي استولى عليها الصهاينةُ من أكثر من عقدين من الزمن.
غير أنَّ الكاتب يسعى أيضًا، بواسطة كتابته للعمل الإبداعي، في سياق تواصلي معيَّن، إلى التأثير في المتلقي أو إبلاغه رسالةً ما، اجتماعية أو سياسية أو أخلاقية الخ. وهذا ما يشكِّلُ رهان العمل التواصلي. يمكن أن نتساءل مثلاً: لماذا كتب نجيب محفوظ روايته "اللص والكلاب"؟ قد يكون رهان عمله التواصلي هو نقد الواقع الجديد الذي أفرزته ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952، والفئات الاستغلالية الجديدة التي أفرزتها تلك الثورة. وقد يكون رسالةً مفادُها أنَّ التغيير الاجتماعي لا يكون فرديًّا بل ينبغي أن يكون جماعيًّا، وهو الأمر الذي أدّى إلى فشل ما كان يسعى إليه سعيد مهران بطل الرواية.
البناء الزمني للحكي- IV
من مميِّزات الحكي أنَّ الحكاية histoire والسرد narration لا يخضعان دائمًا للترتيب نفسه؛ حيث ينبغي التمييز بين زمن الحكاية، أي زمن الأحداث في المرجع الحقيقي أو المتخيَّل، وبين زمن السرد.
ندرس البناء الزمنيَّ للحكي من خلال عنصرين:
⎫ الترتيب الزمني للأحداث: Ordre
تجري فيه المقارنة بين ترتيب الأحداث في الحكاية، أي كما يُفترَضُ أنها وقعت بالفعل، وهو ترتيب كرونولوجيٌّ، يسيرُ تصاعديًّا من البداية إلى النهاية، وبين ترتيب الأحداث في السرد، أي بالطريقة التي يُنظِّمُ بها السردُ أحداثَهُ؛ فالترتيب الزمني للأحداث في السرد لا يسيرُ وفق خطٍّ زمنيٍّ كرونولوجيٍّ، بل تحدُثُ فيه مفارقاتٌ زمنيةٌ:
♣ استرجاع: يتوقف السردُ في لحظة ما من (حاضر السرد) ليسترجع أحداثًا وقعت في الماضي، إما القريب أو البعيد.
♣ استباق (استشراف): يشير السردُ إلى أحداث لاحقة لم تقع بعد، أي لاحقة على لحظة حاضر السرد.
Durée المدّة-
لدراسة المدَّة، تجري المقارنة بين زمن الحكاية، أي المدة الزمنية التي تستغرقها الأحداثُ في السياق المرجعي الحقيقي أو المتخيَّل. ونقيسُ هذه المدَّة بالدقائق، والساعات، والأيام، والشهور، والأعوام، وبين زمن السرد، ويقصد به المساحة التي يخصصها السردُ لحدث ما، وتُقاسُ هذه المساحةُ بالكلمات، والأسطر، والصفحات.
وتنتجُ عن تلك المقارنة بين المدة في زمن الحكاية وزمن السرد سرعاتُ الحكي الأربع:
- الحذف: زمن الحكاية = س زمن السرد = 0
عندما يقفزُ السردُ مثلاً على فترة زمنية طويلة أو قصيرة لا يقول شيئًا عمّا حدث فيها، كقول السارد: مرَّ عامٌ كاملٌ على تلك الواقعة ثم التقينا من جديد ... فالسرد لا يُخبرنا عمَّا حدث خلال ذلك العام.
- التلخيص: زمن الحكاية > زمن السرد. أي زمن الحكاية أكبر من زمن السرد.
كأن يقول الساردُ مثلاً: «انصرم عامٌ كاملٌ في حزن ثقيل، لم يعرف فيه الناسُ الفرحَ، وتعطَّلَ كلُّ احتفال، حتى السماء حبستْ غيثَها، فزادت النفوس ضيقًا وكآبةً. وكاد اليأسُ يتسلَّلُ إلى القلوب، ويقضي على كلِّ جذوة أمل ما تزال حيَّةً لم يخنقها رمادُ المصائب المتتالية. وذات يوم، وقد مَرَّ عامٌ بالتمام والكمال، لمعت في الأفق لمعةٌ أعادت الأمل إلى الجميع. في ذلك حضر أحد أبناء البلد الذي كان مهاجرًا في بلاد بعيدة...»
نرى في هذا المثال كيف أنَّ أحداث عامٍ كاملٍ لُخِّصت في بضعة أسطر فقط.
- المشهد: زمن الحكاية = زمن السرد.
تتحقق سرعةُ المشهد في المشاهد الحوارية التي تدور بين شخصيتين أو أكثر.
- الوقف: زمن الحكاية = 0 زمن السرد = س
أي إن سرد الأحداث يتوقف مؤقَّتًا، ليُفسح المجالَ للوصف؛ وصف شخصية أو مكان الخ.
الحَبْكة intrigue -V
يُقصد بالحبكة الطريقة التي تنتظمُ بها الأحداثُ لتحقيق الرِّهان، انطلاقًا من وضعية بدئية، وانتهاءً إلى الوضعية النهائية. أي ما هي المبادئ المتحكِّمة في تطوُّر الأحداث؟ ويمكن التمثيلُ للحبكة بخطاطة سردية تضبطُ العلاقات بين المشاركين في الحدث والوضعيات، من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- من يقومُ بالفعل؟ - على من يقع الفعل؟ - لماذا؟ - أين؟ - متى؟
وتتخذ الخطاطةُ السرديةُ الأوَّليةُ الشكلَ الآتي:
⎫ - وضعية بدئية: يُحدَّدُ فيها عادةً الزمانُ، والمكانُ، والشخصيةُ، وسياقُ بداية الحدث.
⎫ - العنصر المحوِّل élément perturbateur : وهو العنصر الذي يُخرجُ الأحداثَ عن مسارها العادي، ويؤدي إلى تطوُّرها في اتجاه معيَّن؛ أي هو العنصر الذي يُخرج الأحداث من التوازن.
⎫ - تطوُر الأحداث: تشرع الأحداثُ، بفعل أثر العنصر المحوِّل، في التطوُّر والتشابك، إلى أن تصل إلى العقدة، وهي القمة الدرامية لتطوُّر الأحداث.
⎫ - الحلّ: كيف تُحَلُّ العقدة.
⎫ - الوضعية النهائية: عودةٌ إلى التوازن مرةً أخرى. وقد تكون عودةً إلى الوضعية البدئية، أو انتقالاً إلى وضعية جديدة.
الشخصيات - VI
تكون الشخصيات في الحكي عادةً شخصياتٍ إنسانية، ولكن في بعض أنواع الحكي يجري تجسيدُ إمّا حيوان، أو كيان، أو فكرة مثل الموت أو العدالة الخ. عندئذ يمكن اعتبارُها شخصيات (كليلة ودمنة نموذجًا).
وسواء كانت الشخصياتُ حقيقيةً أو متخيَّلةً، فهي كائناتٌ ورقيةٌ؛ أي لا وجود لها خارج النص. وكلُّ معلوماتنا عنها نستقيها من النص ذاته.
ومن ثَمَّ تتحدَّدُ صورةُ الشخصية في الحكي من خلال:
⎫ - أفعالها: جميع الأفعال التي تضطلع بها الشخصية ضمن أحداث الحكي لابد أن تعكس للقارئ جانبًا من الشخصية من حيث مواقفها، ومشاعرها، وعلاقاتعا بالآخرين الخ.
⎫ - أقوالُها: كلُّ ما يصدر عن الشخصية من أقوال، سواء في إطار حوار أو منولوج، فهو يُفصِحُ عن طبيعة الشخصية الإنسانية والنفسية والاجتماعية، إما بشكل مباشر أو ضمنيٍّ.
⎫ - كلام السارد عنها: وقد يكون كلام السارد هذا وصفًا، أو إخبارًا، أو حكمًا الخ.
⎫ - كلام الشخصيات الأخرى عنها: ما تقوله الشخصياتُ الأخرى عن الشخصية، إما في إطار حوار، أو في سياق منولوج الخ.
مكوِّنات صورة الشخصية:
تتشكل صورة الشخصية في الحكي من مجموعة من الخصائص:
¬ - خصائص فيزيقية (مادية/خارجية): أوصاف بدنية، هيأة خارجية، لباس الخ.
¬ - خصائص نفسية/أخلاقية.
¬ - خصائص اجتماعية: غنى/فقر، طبقة اجتماعية، مهنة، أسرة الخ
ملاحظة:
1- يجب التمييزُ، عند دراسة مؤلَّف كامل، بين الصورة الجزئية والصورة الكلية للشخصية؛ فالصورة الجزئية تكون في مقطع محدَّد (فقرة، فقرات، فصل). أما الصورة الكلية فيجري تركيبُها عند إنجاز قراءة تركيبية للمؤلَّف، بعد الانتهاء من القراءة التفصيلية.
2- ينبغي الانتباهُ أيضًا إلى أنَّ صورة الشخصية في الحكي، وفي الرواية على وجه الخصوص، ليست قارَّةً أو ثابتةً؛ بل تخضعُ لتطوُّرٍ وتحوُّلٍ يجبُ رصدُهما، ورصدُ أسبابهما من خلال تحليل النص.
القُوى الفاعلة في الحكي - VII
1- مفهوم القوى الفاعلة
إذا كانت الشخصية كائنًا، فإنها أيضًا عاملٌ؛ أي قوة فاعلة، بما أنها تقودُ حركة الحدث. غير أنَّ الشخصيات ليست القُوى الفاعلة الوحيدة في الحكي، حيث تتدخَّلُ كائناتٌ أخرى، مختلفة، في تطوير حركة الحدث: أشياء، حيوانات (مجسَّدة أو غير مجسَّدة)، مؤسسات، أحاسيس وعواطف، قيم الخ.
إذن، يُقصَدُ بالقُوى الفاعلة كلُّ مَنْ أو ما يُشارك في الحدث.
ملاحظة: شخصية واحدة قد تؤثِّرُ فيها قوّتان فاعلتان أو أكثر. مثلا: شخصية تتمزق بين عواطف أو قيم متباينة: الانتقام والشرف/ العاطفة والمادة / الواجب والعاطفة الخ.
ينبني تحليلُ القُوى الفاعلة في الحكي على دراسة العلاقات بين الشخصيات وباقي القُوى الفاعلة المؤثِّرة في الحدث. وينطلق التحليل من ملاحظةٍ مفادُها أنَّ الوضعيات في الحكي تستندُ إلى توازنٍ أو توتُّرٍ بين عدد من القُوى الفاعلة، وأنَّ الحكيَ يتطوَّرُ عبر الأحداث والوقائع من خلال تغيُّر علاقات القُوى الفاعلة.
2 – الوظائف والقُوى الفاعلة:
النموذج العاملي لِ "غريماس Greimas"
تنتظم العلاقات بين القُوى الفاعلة حول وظائف ثابتة حاضرة في كل حكي، وهي:
أولاً: القوى الفاعلة:
⎫ - المرسِل destinateur: القوة الفاعلة التي تدفع الذات إلى الرغبة في موضوع، أو تكلِّفها بمهمة.
⎫ - المرسَل إليه destinataire: القوة الفاعلة التي تستفيد من تمكُّن الذات من إنجاز المهمة. قد تنجز الذات المهمة من أجل الآخرين أو من أجل نفسها.
⎫ الذات Sujet: القوة الفاعلة التي ترغب في موضوع ما (شيء، شخص، مكانة...) وتبحث عنه.
⎫ الموضوع objet: موضوع رغبة الذات وغاية بحثها.
⎫ المساعد adjuvant: القوة الفاعلة التي تساعد الذات على تحقيق موضوع رغبتها.
⎫ المعارض opposant: القوى الفاعلة التي تعرقل وصول الذات إلى تحقيق موضوع رغبتها.
ثانيًا: العلاقات
تجمع بين تلك الوظائف الست ثلاث علاقات:
- علاقة الرغبة: بين الذات والموضوع.
- علاقة الصراع: بين المساعد والمعارض.
- علاقة التواصل: (اتصال أو انفصال): بين المرسِل والمرسَل إليه.
الوظائف والقوى الفاعلة
خطاطة النموذج العاملي
علاقة تواصل
(اتصال أو انفصال)
المرسِل المرسَل إليه
(الدافع) (المستفيد)
الموضوع
علاقة رغبة/بحث
الذات
المساعد علاقة صراع المعارض



دمت متألقا سيدي
RépondreSupprimer