لوسيان غولدمان





يعتبر لوسيان غولدمان Lucien Goldmann أشهر تلاميذ لوكاش في فرنسا، وهو ذو أصل روماني، ناقد أدبيٌّ وسوسيولوجيٌّ. 
أطلق على منهجه اسم البنيوية التوليدية. وينطلق غولدمان من فرضية تقول إنَّ كلَّ سلوكٍ إنسانيٍّ إنما هو محاولة إ‘طاء إجابة دالة على وضعية مخصوصة، ويميل من أجل ذلك، إلى خلق توازن بين ذات الفعل (sujet de l’action) أو الذات الفاعلة، وبين الموضوع الذي يقع عليه الفعل، أي العالم المحيط.
إن العمل الأدبي ليس انعكاسًا، بل بالأحرى، إجابة: فالذات، انطلاقًا من تجاربها، تحاول أن تستوعب العالم الخارجيَّ في مخططات فكرها.
وعندما يكون العالم غير قابل للاستيعاب، فإن المخططات يجب عليها أن تتكيَّف مع العالم الخارجيِّ. ويستعر غولدمان. هذا التصوّر من عالم النفس جان بياجي، ويطوِّرُهُ في منظور ماركسيٍّ في أساسه. وذلك عندما يؤكد أنَّ الذات التي تعي جزئيًا الموضوعَ (متطلبات العالم الخارجي) ليست الفرد وإنما الجماعة: الطبقة الاجتماعية، المؤسَّسَة على بنية تحتية اقتصادية مشتركة.
يعني ذلك أنه بدل تحليل النص لوحده، أو الاستغراق في أبحاث بيوغرافية تهتمُّ بالمظاهر البيوغرافية في حياة المؤلِّف الفردية، ينبغي البحث عن العلاقات بين بنية العمل وبنية وعي الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المؤلِّف. فالدراسة التجريبية المعمَّقة (أي القراءة الدقيقة للأعمال الأدبية الأكثر شهرة) تسمح للدارس أن يحدِّد “رؤية العالم” التي تميِّز هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك.
إن ”رؤية العالم” هي: « تحديدًا مجموع التطلعات والمشاعر والأفكار التي توحِّدُ أعضاء مجموعة تتمثل في معظم الأحيان في طبقة اجتماعية، وتجعلهم يعارضون ويواجهون مجموعاتٍ أخرى.» Le dieu caché  ص26
وبالطبع فإنَّ غالبية أعضاء المجموعة المفترضة لا يمتلكون سوى وعي نسبيٍّ بمعنى رؤيتهم للعالم ودلالتها الحقيقية؛ فوحدهم الفلاسفة والكتاب الاستثنائيون من يستطيع التعبير عن أعلى درجات الوعي الممكن لمجموعة معيَّنة.
يجب التأكيد على أن البنيوية التكوينية عند غولدمان تتعارض مع النقد الاجتماعي الذي يقتصر على نقد المحتويات أو المضامين، لأنَّ «العلاقة الأساس بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي لا يتعلق بمحتوى هذين المجالين، ولكنه يرتبط بالبنيات العقلية فحسب، أي بتلك الأصناف التي تنظِّمُ في الوقت ذاته الوعيَ التجريبيَّ لمجموعة اجتماعية، والعالمَ المتخيَّلَ الذي يخلقه الكاتب.»
يرى غولدمان أنَّ سوسيولوجيا المحتويات تنظر إلى العمل الأدبي باعتباره انعكاسًا للوعي الجماعي المشترك، بينما السوسيولوديا البنيوية ترى في العمل الأدبي أحدَ العناصر المكوِّنة لذلك الوعي، أي العنصر الذي يسمح لأعضاء المجموعة بإدراك الدلالة الموضوعية لأفعالهم.
يمكن أن نقول إنَّ الأعمال الأدبية الكبرى هي نتاج جماعي لمجموعة اجتماعية (groupe social)، وفي الوقت ذاته لا يحاول غولدمان إنكار دور المؤلِّف الفردي: إنَّ الكاتب الكبير هو الذي يمنح شكلاً وبنيةً للتعبير الفني عن رؤية العالم المشتركة بين كل الذين ينتمون إلى مجموعة اجتماعية معينة
يؤوِّل لوسيان غولدمان، إذن، الأعمال الأدبية باعتبارها تعبيرًا عن وعي جماعيٍّ وعن رؤية للعالم. ومن ثمًّ فإنَّ الأعمال الأدبية الكبرى، الأكثر نجاحًا جماليًا، هي تلك التي تعبِّر بأقصى وفاء عن رؤية العالم لمجموعة اجتماعية. 
إنَّ غولدمان، مثل أستاذه لوكاش، يضع توافقًا شكليًا يكاد يكون مباشرًا بين الأعمال الأدبية والواقع الاجتماعي، غير أنَّ العمل الأدبي بالنسبة إليه لا يعكس الوعيَ الجماعيَّ، بل يعبِّر عن عنه ويساهم في أن يمنحه شكلاً ملائمًا. [وهذا ما يفسر لفظ “توليدية” في اسم منهجه، أي إنه يحاول أن يمسك برؤيات العالم في حال ولادتها وتشكُّلها].
ملاحظة أخيرة عن المنهج الاجتماعي البنيوي التوليدي عند غولدمان؛ فسواء في نظرية لوكاش أو في نظرية غولدمان، لا تقوم اللغة بأيِّ دور مركزي. وهذه هي النقطة التي ستشكِّل المجال الذي سيتجاوز فيه منظِّرو مدرسة النقد الاجتماعي اللاحقون فكرَ لوسيان غولدمان ونظريته.







 



Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog