النقد الاجتماعي (السوسيولوجي)

 La Sociocritique


    ندرس في هذا الإطار النظريات الأدبية التي تنطلق من فكرة أساس، تذهب إلى أن الأدب والأعمال الأدبية يجب أن تُفهم وتُفسَّر بواسطة دراسة الخصائص المميِّزة للمجتمعات التي تُنتجها، وتتلقّاها، وتستهلكها.
     - بالنسبة إلى أصحاب تيارات النقد الاجتماعي (الماركسية وغيرها)، كل النظريات والممارسات النقدية التي تركز في دراستها للأعمال الأدبية، إما على المعايير الشكلية، وإما باعتبارها انعكاسًا للجهاز النفسي للمؤلف الفرد، إنما تدرس الأعمال الأدبية مفصولة عن الواقع الاجتماعي، ولن تستطيع من ثمَّ أن تمنح تأويلات ملائمة للأعمال الأدبية التي تقوم بتحليلها. 
    -عرفت فكرة العلاقة القوية بين الأعمال الأدبية والوقائع الاجتماعية انطلاقتَها وعصرَها الذهبيَّ في القرن التاسع عشر، حيث أدّت التجربة الثورية في فرنسا وغيرها من دول أوروبا إلى اقتناع النقاد والأدباء أنهم يعيشون في عصر وفي مجتمع جديدين يختلفان عن ما كان سائدًا في المجتمع التقليدي، ومن ثم فإن أدبهم يجب أن يعبِّرَ عن هذه الروح الاجتماعية الجديدة.
     - كان ذلك هو أصل الصراع بين أصحاب القديم الذين يرون أن الأدب إنما عليه أن يراعي القواعد والمعايير الكلاسيكية التي رسَّخها الأقدمون، وبين المحدثين الذين يدعون إلى الثورة على القواعد والمعايير القديمة والإنصات إلى روح العصر وضروراته.






الماركسية وتحوّلاتها


يملك الواقعُ الاجتماعي بنيةً يمكن إدراكُها بطريقة علمية: إنها تتحدَّدُ بوساطة الصراع الذي تتواجه فيه الطبقاتُ الاجتماعيةُ، وكذلك من خلال تعارض أشكال الإنتاج التي تمثلها تلك الطبقات.
 - كلُّ العصور، وكلُّ المراحل التاريخية تتميّزُ بعلاقة قوة معيَّنة بين الطبقات الاجتماعية، وعلاقة القوة هذه علاقة اجتماعية اقتصادية تشكِّلُ البنيةَ التحتية التي تحدد البنية الفوقية وتقع في أساسها. 
 - تتشكل البنية الفوقية من العناصر الأخرى في حياة الإنسان اليومية، والسياسية، والثقافية.
إن المفهوم المركزي في الجمالية الماركسية يتمثل في الانعكاس: فكل منظِّري الماركسية، من ماركس إلى غولدمان، يتفقون على وجود مماثَلةٍ ما وتناسبًا بين البنية الاجتماعية الاقتصادية وبين مجال من مجالات التمثيلات الاجتماعية، حيث يمكن الجزمُ بأن الواقع الاجتماعي-الاقتصادي هو من يولِّدُ دائمًا التمثيلات الإيديولوجية سواء كانت ملائمة أو غير ملائمة.
مضى بعض الماركسيين هذا التصور إلى أقصاه، حيث يذهبون إلى أن البنية الفوقية السياسية والثقافية، تخضع دائمًا بشكل دقيق للبنية التحتية الاجتماعية الاقتصادية، وأنَّ الأولى ليست إلا إحدى وظائف الثانية. 
 - غير أن أغلب الماركسيين الغربيين يرفضون هذا التحجر والاختزال في النظرية، حيث لا يترددون في الاعتراف للبنية الفوقية بنوع من الاستقلال الذاتي في علاقتها بالبنية التحتية، وأن التحولات الملحوظة في البنية الفوقية الإيديولوجية والسياسية والفنية، يمكن أن تؤدي بدورها إلى تغييرات وتحولاتٍ في البنية التحتية.


جورج لوكاش Gyorgy Lukàc 



بالنسبة إلى الفيلسوف الهنغاري جورج لوكاش، فإن الأعمال الأدبية تمثل وتعكس الواقع، ولكن ليس بشكل آليٍّ مثلما تفعل المرآة، ولكن بفضل الفعل الإبداعي لمؤلفيها، الذين يتوجب عليهم تمثيل الواقع الاجتماعي بالطريقة الملأئمة. ومن ثم كان لوكاش يرى أن الرواية تشكل الجنس الأدبيَّ الأسمى في الفن البورجوازي الحديث، والتمثيل الأنسب، فنيًّا، والأكثر نجاحًا، للمجتمع الرأسمالي. فروايات بلزاك، تشكل بالنسبة إليه، ملحمة الإنسان الحديث التي تعبر عن وحدته داخل مجتمعه وعن آماله التي ليس لها مستقبل، وهو ما يميز الناسَ المستلبين في ظل شكل الإنتاج الرأسمالي.
يبحث لوكاش في الروايات عن النموذجيِّ LE typique الذي لا علاقة له بالعاديِّ واليوميِّ. إنَّ النموذجيَّ هو ما يمثل مرحلة من تاريخ المجتمع البورجوازي، ولذلك نجده يفضل الروايات الواقعية الكبرى، ولا يقتنع بالأعمال المجدِّدة في مجال السرد من قبيل (عوليس لجيمس جويس) لأنَّ بطل تلك الرواية “ليوبولد بلوم” فردٌ ووجهٌ ميثولوجيٌّ، ولكنه، في نظر لوكاش، ليس كائنًا اجتماعيًّا.  




لوسيان غولدمان





يعتبر لوسيان غولدمان Lucien Goldmann أشهر تلاميذ لوكاش في فرنسا، وهو ذو أصل روماني، ناقد أدبيٌّ وسوسيولوجيٌّ. 
أطلق على منهجه اسم البنيوية التوليدية. وينطلق غولدمان من فرضية تقول إنَّ كلَّ سلوكٍ إنسانيٍّ إنما هو محاولة إ‘طاء إجابة دالة على وضعية مخصوصة، ويميل من أجل ذلك، إلى خلق توازن بين ذات الفعل (sujet de l’action) أو الذات الفاعلة، وبين الموضوع الذي يقع عليه الفعل، أي العالم المحيط.
إن العمل الأدبي ليس انعكاسًا، بل بالأحرى، إجابة: فالذات، انطلاقًا من تجاربها، تحاول أن تستوعب العالم الخارجيَّ في مخططات فكرها.
وعندما يكون العالم غير قابل للاستيعاب، فإن المخططات يجب عليها أن تتكيَّف مع العالم الخارجيِّ. ويستعر غولدمان. هذا التصوّر من عالم النفس جان بياجي، ويطوِّرُهُ في منظور ماركسيٍّ في أساسه. وذلك عندما يؤكد أنَّ الذات التي تعي جزئيًا الموضوعَ (متطلبات العالم الخارجي) ليست الفرد وإنما الجماعة: الطبقة الاجتماعية، المؤسَّسَة على بنية تحتية اقتصادية مشتركة.
يعني ذلك أنه بدل تحليل النص لوحده، أو الاستغراق في أبحاث بيوغرافية تهتمُّ بالمظاهر البيوغرافية في حياة المؤلِّف الفردية، ينبغي البحث عن العلاقات بين بنية العمل وبنية وعي الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المؤلِّف. فالدراسة التجريبية المعمَّقة (أي القراءة الدقيقة للأعمال الأدبية الأكثر شهرة) تسمح للدارس أن يحدِّد “رؤية العالم” التي تميِّز هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك.
إن ”رؤية العالم” هي: « تحديدًا مجموع التطلعات والمشاعر والأفكار التي توحِّدُ أعضاء مجموعة تتمثل في معظم الأحيان في طبقة اجتماعية، وتجعلهم يعارضون ويواجهون مجموعاتٍ أخرى.» Le dieu caché  ص26
وبالطبع فإنَّ غالبية أعضاء المجموعة المفترضة لا يمتلكون سوى وعي نسبيٍّ بمعنى رؤيتهم للعالم ودلالتها الحقيقية؛ فوحدهم الفلاسفة والكتاب الاستثنائيون من يستطيع التعبير عن أعلى درجات الوعي الممكن لمجموعة معيَّنة.
يجب التأكيد على أن البنيوية التكوينية عند غولدمان تتعارض مع النقد الاجتماعي الذي يقتصر على نقد المحتويات أو المضامين، لأنَّ «العلاقة الأساس بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي لا يتعلق بمحتوى هذين المجالين، ولكنه يرتبط بالبنيات العقلية فحسب، أي بتلك الأصناف التي تنظِّمُ في الوقت ذاته الوعيَ التجريبيَّ لمجموعة اجتماعية، والعالمَ المتخيَّلَ الذي يخلقه الكاتب.»
يرى غولدمان أنَّ سوسيولوجيا المحتويات تنظر إلى العمل الأدبي باعتباره انعكاسًا للوعي الجماعي المشترك، بينما السوسيولوديا البنيوية ترى في العمل الأدبي أحدَ العناصر المكوِّنة لذلك الوعي، أي العنصر الذي يسمح لأعضاء المجموعة بإدراك الدلالة الموضوعية لأفعالهم.
يمكن أن نقول إنَّ الأعمال الأدبية الكبرى هي نتاج جماعي لمجموعة اجتماعية (groupe social)، وفي الوقت ذاته لا يحاول غولدمان إنكار دور المؤلِّف الفردي: إنَّ الكاتب الكبير هو الذي يمنح شكلاً وبنيةً للتعبير الفني عن رؤية العالم المشتركة بين كل الذين ينتمون إلى مجموعة اجتماعية معينة
يؤوِّل لوسيان غولدمان، إذن، الأعمال الأدبية باعتبارها تعبيرًا عن وعي جماعيٍّ وعن رؤية للعالم. ومن ثمًّ فإنَّ الأعمال الأدبية الكبرى، الأكثر نجاحًا جماليًا، هي تلك التي تعبِّر بأقصى وفاء عن رؤية العالم لمجموعة اجتماعية. 
إنَّ غولدمان، مثل أستاذه لوكاش، يضع توافقًا شكليًا يكاد يكون مباشرًا بين الأعمال الأدبية والواقع الاجتماعي، غير أنَّ العمل الأدبي بالنسبة إليه لا يعكس الوعيَ الجماعيَّ، بل يعبِّر عن عنه ويساهم في أن يمنحه شكلاً ملائمًا. [وهذا ما يفسر لفظ “توليدية” في اسم منهجه، أي إنه يحاول أن يمسك برؤيات العالم في حال ولادتها وتشكُّلها].
ملاحظة أخيرة عن المنهج الاجتماعي البنيوي التوليدي عند غولدمان؛ فسواء في نظرية لوكاش أو في نظرية غولدمان، لا تقوم اللغة بأيِّ دور مركزي. وهذه هي النقطة التي ستشكِّل المجال الذي سيتجاوز فيه منظِّرو مدرسة النقد الاجتماعي اللاحقون فكرَ لوسيان غولدمان ونظريته.







 



Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog