النقد الجديد La nouvelle critique
وتيّاراتُهُ الرئيسة
1- التيار الفرويدي
يُقصد بذلك التيار أولئك النقاد الذين يستوحون في أعمالهم نظريات فرويد في مجال التحليل النفسي psychanalyse. ويندرجون ضمن ثلاث مجموعات:
- النقد الوجودي La critique existentielle
- النقد النفسي La psychocritique
- النقد الموضوعاتي La critique thématique
التحليل النفسي عند فرويد
يحدد فرويد أربع مراحل في التحليل النفسي:
الاستشفاء بالكلام Talking Cure، واللاّوعي، والتأويل، والقراءة.
كلُّ مرحلة من هذه المراحل تسعى إلى أن تُبيِّنَ أن النص الأدبيَّ نظامٌ سيميولوجيٌّ ثان، أي كلامٌ ذو معنى مزدوج؛ فهو معطى إكلينيكي يتطلّبُ التأويلَ لاستخلاص اللاّوعي والدوافع العميقة للكاتب.
مرحلة الاستشفاء بالكلام
المقصود بهذه المرحلة أن المريض (المؤلِّف)، وهو في حالة خاصة، يُدلي بكل ما يرغب في أن يقوله دون تدخُّل الطبيب المعالِج (الناقد). وتعتمد طريقة التداعي الحر للأفكار.
مرحلة اللاّوعي
ترتبط هذه المرحلة بالرغبة والكبت، وبالحلم أيضًا. خلف كل عمل توجد صورة الحالم، والكلام الذي يُدلي به المريضُ يسمح برؤية ذلك الحلم أو اللاّوعي.
مرحلة التأويل
هي إظهار المعنى المتواري أو الكامنِ في ذلك الحلم. توضِّحُ صيغَ الصراع الدفاعي، وتستهدفُ في المقام الأخير الرغبةَ التي تجد التعبير عنها في إنتاج اللاّوعي.
مرحلة القراءة
تُمَكِّنُ من قراءة تأويل الحلم. تُبرِزُ المعنى المجازيَّ أو العميقَ للنص المدلى به.
غير أن كارل غوستاف يونغ (K.G. Jung)، على الرغم من أنه كان تلميذًا لفرويد، لم يوافق على مسألة التأويل الأحادي للرمز أي التأويل الجنسي عند فرويد. بالنسبة إليه يمتلك الرمزُ تعددا دلاليًا ولا يمكن حصره في تفسير واحد. وهكذا اكتشف الصور الأصلية المشتركة بين الإنسانية كلِّها. وقادهُ هذا الضربُ من الصور إلى التمييز، عكس فرويد، بين طبقتين في اللاّوعي: اللاّوعي الشخصي واللاّوعي الجمعي.
النقد النفسي البيوغرافي Psychobiographie
يدرسُ النقد النفسي البيوغرافي التأثيرات اللاواعية التي تمارسُها حياةُ الكاتب على عمله. يركِّزُ على المبدع، بواسطة الاهتمام بتاريخ شخصيته، وطفولته، والصعوبات التي واجهها...الخ.
ترى دومينيك فيرنانديز D. Fernandez في كتابها ”مدخل إلى النقد النفسي البيوغرافي Introduction à psychobiographie“ أن النقد النفسي البيوغرافي ينبغي أن يدرس التفاعل بين الإنسان والعمل، ووحدتَهما الحاصلة من دوافعه اللاواعية. ولكن هذا الإنسان لا يمكن الوصولُ إليه إلا عبر عمله.
إن الناقد النفسي البيوغرافي لم يعد يقول: «مثلما يكون الإنسانُ يكونُ عملُهُ، بل يقول: مثلما يكون الطفلُ يكون العملُ.»
ذلك لأن العمل ينتُجُ عن تجربة ”الطفولة“. فهذا الناقد إنما عليه أن يعرف حياةَ الفنان ليتعرَّف التضامن العميق الذي يوحِّدُ حياةَ الإنسان وإنتاجَهُ الفني.
النقد النفسي Psychocritique
يعمل النقد النفسي على الكشف عن شخصية الكاتب اللاواعية عبر أعماله، وبذلك فإنه منهجٌ يُركِّزُ أكثر على المقاربة الأدبية، مقارنةً بالنقد النفسي البيوغرافي.
صاغ هذا المنهجَ شارل مورون Charles Mauron (1899-1966).
يُحدِّدُ مورون منهجه في أربع مراحل:
المرحلة الأولى: مقابلة النصوص بعضها ببعض.
تسمح مقابلةُ الأعمال ومعارضتُها بعضُها ببعض بالكشف عن علاقات نصية متداخلة (Relations intertextuelles)، لم تكن بيِّنةً من قبل. وهذه المقابلة بين الأعمال ليست مقارنة. فالمقارنة ترتبط بالمحتويات الواعية والإرادية، وهي بذلك تدخل في نطاق النقد الكلاسيكي. أما المقابلة، على العكس من ذلك، يجب أن تخلط المحتويات الواعية لكل نص مقابَلٍ لإظهار علاقات كانت تظل قبل ذلك في دائرة اللاوعي.
المرحلة الثانية: الصور والوضعيات الدرامية
نبحث، عبر أعمال الكاتب، كيف تتكرر وتتحول تلك البنيات والشبكات التي تمَّ الكشفُ عنها في المرحلة الأولى، حيث سرعان ما ننتبهُ إلى أن تلك البنيات وشبكات العلاقات ترسمُ ”صورًا“ و“وضعيات درامية“. وهكذا يتناسق تحليلُ الموضوعات، وتحليل الأحلام والاستعارات.
إن المقابلات تمنح نتائج مهمة في مجال الشعر خصوصًا. فشارل مورون درس في كتابه ”استعارات متسلِّطة“ أربعة شعراء: ملارميه، وبودلير، ونيرفال، وفاليري، وينتهي إلى الكشف عن الصورة التي تستحوذ على كل واحد من أولئك الشعراء:
صورة الراقصة عند مالارميه، وصورة الكائن الهشّ المثقل بالوهم عند بودلير، وصورة المبارزة المميتة ضد القرين من أجل امتلاك الأم نيرفال، وصورة النائمة المرعوبة عند فاليري.
إن ترابط الصور هنا يأخذ مكان ترابط الأفكار، ومن ثمَّ نتأكد من أن كل شخصية، مهما كانت أهميتها، إنما تمثل تنويعًا لصورة ميثولوجية عميقة.
المرحلة الثالثة: الأسطورة الشخصية
إنها التعبير عن الشخصية اللاواعية، والتشكيل المتخيَّل الذي يختصر شخصية الفنان.
مهما يكن الجنس الأدبي، فإن منهج مورون يكشف عددًا صغيرًا من الشخصيات والدراما التي تدور بينها.
تتخذ تلك الدراما أشكالا وتحولات كثيرة، ولكننا نتعرف دائمًا عليها ونلاحظُ أنها تُحدِّدُ الكاتبَ تحديدًا جيدًا.
إن التفرّدَ والتكرار يخلقان صورًا مميِّزة للكاتب.
المرحلة الرابعة: الفحص بوساطة السيرة
إنها العملية التي تسمح باختبار تأويل أسطورة الكاتب الشخصية وشخصيته اللاواعية انطلاقًا من حياة الكاتب.
يسعى مورون أثناء هذه المرحلة إلى مراقبة الأسطورة الشخصية عن طريق مقارنة العمل والحياة المعيشة من لدن ”الأنا الاجتماعية“.
يرى جان بيلمان نُويل Jean Bellemin-Noèl أن النقد النفسيَّ يشغل مكانة متوسطة بين طريقتين مختلفتين في المقاربة: بين تلك التي تُركِّزُ على المؤلِّف، وتلك التي تُركِّزُ على النص.
وقد عرف النقدُ ذو المنحى النفسي مدارس نقدية أخرى، لا يتسع المجالُ هنا للوقوف عندها بتفصيل، فنكتفي بالإشارة إليها:
التحليل النصي: جان بيلمان نويلLa Textanalyse de J. Bellemin Noèl
تجد هذه المدرسة النقدية أصولَها بدورها في الممارسة الفرويدية.
أحدثتْ، منذ السبعينيات، انقلابًا داخل نقد التحليل النفسي، حيث تدعو هذه المدرسة النقدية إلى مواجهة الأعمال الأدبية كأنها هي ذاتها المؤلِّف.
يؤكد بيلمان نويل أن النقد الأدبي، بدل أن يهتمَّ بروح الكاتب الخفيّة (كما يفعل النقد النفسي البيوغراافي والنقد النفسي)، يجب عليه ألاَّ يهتمَّ إلا بالمؤلِّف وقد أصبح نصًّا. وبذلك فإن هذا المنهج يندرج ضمن منظور موسَّع للبنيوية، التي تعلن موتَ المؤلِّف لصالح إعادة الاعتبار للقراءة.
كل نص يجب أن يُدرَسَ في استقلاليته المتفرِّدة تصوُّرًا وصياغةً. بيد أن كل نص تعتمل داخله قوى لاواعية، ليست قابلة للتحديد فحسب، بل يجب وصفُها.
هذا هو عمل الناقد: إعادة بناء الخطاب الذي هو خطاب الرغبة، دون الإحالة إلى ما نعرفه عن حياة الكاتب (خارج النص)، ولا إلى النصوص الأخرى التي كتبها المؤلف.
انطلاقًا من هذه الرؤية تصبح القراءةُ فعلاً إبداعيًا؛ فالقارئ يشارك في كتابة نصِّ الكاتب عبر إنصاته إلى النص.
نقد النقد ذي المنحى النفسي
- إن ما يذهب إليه النقد النفسي من ادِّعاء بأن اللاوعي أساس الصراع النفسي ذاتِهِ الذي يعمل في جميع تشكيلاته: الحلم، وزلّة اللسان أو القلم، والإبداع الفني، هو ما يشكل القاعدة المشتركة للنقد الذي يوجَّهُ إليه. فهذا النقد، سواء عندما يتوجه نحو المؤلِّف (النفسي البيوغرافي)، أو نحو ”لاوعي النص“ (التحليل النصي)، فإنه يقوم دائمًا بإعادة بناء ملاءمة معنى النص لفهمه، لكن دائمًا بوساطة مفاتيح خارجية يملكها الناقد.
كذلك تركَّزَ نقدُ هذا النقد ذي المنحى النفسي، والمرتكز على أصول التحليل النفسي، تركَّزَ انتقادُهُ على كونه يُلغي تمامًا تأثيرَ كلِّ ما هو عقلانيٌّ وواعٍ في العملية الإبداعية. إنه يحوِّلُ المؤلِّف إلى مجرد ”حالة مرضية“، ويتخذ موقفًا مهيمنًا يدَّعي احتكارَ المعرفة.
يقدِّمُ الكاتب الفرنسي جوليان كراك صورة تمثيلية للنقد الذي يوجَّهُ إلى النقد ذي المنحى النفسي: «ماذا يمكن أن نقول لهؤلاء الناس الذين يحسبون أنهم يملكون مفتاحًا، ويظلون طول الوقت يحاولون تحويل عملك إلى شكل مزلاج» Lettrines, p55


موفق الدكت
RépondreSupprimer