مدخل إلى مناهج النقد الأدبي. أولاً: النقد التاريخي


مدخل إلى مناهج النقد الأدبي

أولا: النقد التاريخي

مقدمة

النقد الأدبي هو، بتعبير أبي حيان التوحيدي، كلام على الكلام.

وبلغة نقدية حديثة، Métalanguage. وهو ما يدل على المعنى نفسه.

فالكلام الأول هو الإبداع، شعرًا، وقصة، وملحمة، ومسرحية، ورواية الخ. والكلام الثاني هو النقد، أي تناول بالوصف والتأويل والتفكيك والتقويم للكلام الأول.

مراحل النقد الأدبي

الانتقال من:

    - مرحلة النقاد الأفراد (مع مؤلفين مثل أرسطو، وبوالو Boileau، وفولتير Voltaire)

إلى

    - مرحلة النقد باعتباره جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته. (القرن19)

يرى الباحث هنري بوناك Henry Benac في كتابه Guide des idées littéraires أن النقد عرف انطلاقته مع خصومة القدماء والمحدثين (الكلاسيكية ضد الرومانسية).

النقد العربي

- عرف النقد العربي بدوره مؤلفين نقداً: الجاحظ، أبو حيان التوحيدي، الآمدي، ابن طباطبا، الجرجاني...
- كما عرف النقد العربي صراعًا بين القديم والمحدث منذ العصر العباسي.
- قام الصراع حول مبادئ ومفاهيم وتصورات معيَّنة، أهمها أبواب عمود الشعر.
- لكن لا يمكننا الحديث عن مفاهيم مؤسسة ومنهجية خاصة.

أولاً: النقد التاريخي 

I- النقد البيوغرافي والتاريخي
- يمثل ما يسمى بالنقد القديم أو النقد التقليدي.
- النقد السابق على ما يعرف بالنقد الجديد La nouvelle critique
- جعل من النقد جنسًا أدبيًا ومهنةً؛ مهنة تقويم الأعمال الأدبية.

    النقد البيوغرافي عند سانت بوفSainte-Beuve (1804-1869)


- الناقد قارئ يعيد خلق العمل الأدبي عند قراءته.
- يضع النقد البيوغرافي (الذي طوَّرَهُ سانت بوف في القرن19) الفردَ في مركز عملية الإبداع، لأن الرابط قويٌّ بين الكاتب وعمله.
- معرفة الكاتب ضرورية لفهم نصِّهِ.
- يؤمن سانت بوف بوجود روح الكاتب وحساسيته في قلب كل عمل أدبي، ويجب مساءلته.
- يبحث سانت بوف في العمل الأدبي عن إعادة بناء شخصية المؤلف؛ المؤلف بروحه، وميراثه، وأفكاره، ومختلف تجارب حياته، وقد وُضِعَ في سياقه التاريخي.
- يضطلع النقد البيوغرافي عند سانت بوف بعمل دقيق وهائل في مجال التوثيق والتحقيق.
- يتحول النقد الأدبي إلى ضرب من التاريخ يشتمل على سِيَرٍ دقيقة، وخصوصًا على بورتريهات (أو صور شخصية للكتاب).
- يمنح النقد البيوغرافي الأهمية كلَّها للفرد: هذه الثمرة من تلك الشجرة.
    من أهم مؤلفاته:
        - Critique et portraits littéraires (1836-1839)
        - Les causeries du lundi (1851-1862)


النقد التاريخي عند هيبوليت تينْ Hippolyte Taine (1828-1893)






- يضع النقد التاريخي العملَ الأدبيَّ في فضاء ، ومكان، وفي عصر.
- لم يعد العمل الأدبي نتاجَ إنسان ذي هوية تتضح عبر مواجهة سيرته، ولكنه نتاج عصر يعبِّرُ العملُ عن رؤيته.
- يحاول تينْ في منظومته النقدية الكشفَ عن أسباب الإبداع الأدبي وقوانينه: وهو ما يسمى "الحتمية العلمية". 
- العوامل التي تحكم الحتكية العلميةَ ثلاثةٌ:
        +العرق    + الوسط.   + اللحظة التاريخية.
1- العرق La race: 
    يتشكل من الاستعدادات الفطرية والموروثة التي تصاحب الإنسان منذ أن يرى النور.
2- الوسط Le milieu:
    يتمثل في المناخ، والنظام الاجتماعي.
3- اللحظة Le moment:
    يُستحضَرُ في إطارها التطور التاريخي.
وينتج العمل الأدبي عن تفاعل قدرات الكاتب مع تلك المؤثرات الثلاث.
مثال: يرى تينْ أنَّ الأدب الإنجليزي يحمل بصمةَ الموقع الجغرافي للبلد على شكل جزيرة، ومناخه، المتميِّز، وتاريخه، وعادات سكانه.
    حقق هذا النقد نتائجَ مهمة، لكن اختزال العمل الأدبي في انعكاس لتلك العوامل، فتُهمَل خصوصية الإبداع وتفرُّدُه.

تاريخ الأدب عند غوستاف لانسون Gustave Lanson (1857-1934)











- بدأ تاريخ الأدب باعتباره جزءَ من تاريخ الحضارة، قبل أن يصبح أحد التيارات الرئيسة في النقد الأدبي.
- ارتبط ازدهار تيار تاريخ الأدب بنموِّ شعور الانتماء القومي وتشكُّل الروح القومية في أوروبا.
- علاقة الأدب بالتاريخ سارت في الاتجاهين معًا: النصوص الأدبية تنير تاريخ الأمة، والتاريخُ بدوره يضيء السياقَ الذي أنتِجَ فيه العمل الأدبي ومن يساعد على فهمه.
- يمكن إدراج تاريخ الأدب في ما يسمَّى بالنقد الخارجي، لأنه يصبو إلى إضاءة العمل الأدبي بالاستفادة من وثائق خارجية تتعلق إما بشخص المؤلِّف، أو بالظروف التاريخية والسيرية (البيوغرافية) التي أُنتِجَ فيها العمل الأدبي.
- الهدف الذي يجب أن يسعى إليه الناقد يتمثل في التوصل، قدر الإمكان، إلى مرامي المؤلِّف، وإعادة وضع عمله الأدبيِّ في السياق التاريخي لإبداعه.
- ليس للعمل الأدبي سوى معنى وحيد هو الذي قصد إليه مؤلِّفُهُ الواقعيُّ، ابنُ بلده وزمنه، صاحبُ معارف وقناعات خارج أدبية يعبِّرُ عنها في أعماله، ومهمة الناقد الأدبي أن يستعيد ذلك المعنى كما هو.
- هذه الرؤية ستنتقذها التيارات النقدية اللاحقة وسيسمِّيها جاكْ دريدا بإرهاب التأويل الوحيد.



مراحل تاريخ الأدب

- ممارسة تاريخ الأدب عملٌ دقيقٌ وشاقٌّ، يقطعُ عدةَ مراحل:
1- مرحلة التحقيق: 
تفرض المرحلة الأولى على المؤرخ تحقيق النص المدروس عن طريق المقارنة بين النسخ المتوافرة لتحديد نسخة نهائية يعتمدها في دراسته.
2- مرحلة التأويل التاريخ:
تتطلب هذه المرحلة معرفةً تامة بسيرة المؤلفالشخصية والثقافية، وكذلك بالسياق التاريخي والاجتماعي والسياسي لتأليف الكتاب. قد لا تقودنا دراسةُ الوثائق، والتاريخ، والعصر إلى الحقيقة، أي إلى المعنى الذي قصد إليه الكاتب، لكنها حتمًا تؤدِّي إلى إلغاء كثير من التأويلات غير الملائمة لسيرة الكاتب وثقافته وعصره. 
- يحاول لانسون ألاّ يسقط في فخِّ الحتمية والاختزال، عندما يعترف بدور العبقرية الفردية في تجاوز الواقع، وعندما يقرر أنَّ الأدب ليس مرآة للواقع أو المجتمع، بل إنه يكمِّلهما؛ فالأدب يعبر عن مشاكل المجتمع وأحلامه وتطلُّعاته وآماله. إنَّ الأعمال الأدبية تُكتَبُ لتقديم إجابة على مشاكل الواقع.
3- مرحلة التقويم:
  في المرحلة الثالثة والأخيرة، يبدأ عمل الناقد. ويُنتظَرُ منه في هذه المرحلة أن يُبديَ رأيَهُ الخاصَ في المؤلَّف أو في المؤلِّف. وهنا يمكنه أن يعتمد ذوقه الخاص؛ أي اعتماد ذاتيته: فالذاتية وأحكام القيمة يكون مسموحًا بها إذا ما تمّتْ مراعاةُ نتائج المرحلتين السابقتين: التحقيق، والتأويل التاريخي.

نقد المنج التاريخي

- يرى بروست Marcel Proust أنَّ العمل الأدبيَّ من إنتاج "أنا" مغايرة تمامًا ل"أنا" الحياة اليومية. وهذا في العموم نقدٌ الفنانين الذين يرفضون التقييد الخارجيَّ لإبداعهم، لأنهم يعتبرون العمل الأدبيَّ إلهامًا، وثمرةَ عبقرية خلاقة.
- غير أن النقد الأهم يأتي من المدارس النقدية الأخرى التي تعتمد التأويل بدورها. ويؤكد أولئك النقاد أنَّ المؤرخ عليه أن يتبنى ليس وجهة نظر الماضي، ولكن وجهة نظر الحاضر؛ إي إن عليه أن ينظِّم إعادة بنائه، بدل أن يعتبرها إعادة إنتاج لواقع موضوعي.

 



ا

Commentaires

Enregistrer un commentaire

Posts les plus consultés de ce blog